السبت، 17 مايو، 2008

خلاص هموت ( 4 )

تعلقت عيناي بشاشة الكومبيوتر المتصلة بجهاز الفحص و التي ستنقل كل ذرة بالجسد .. شاشة تنقل الحقيقة مجردة بلا تجمل فهي لا تظهر بشرتك الناعمة التي كنت تفاخر بها و لا لونك الأبيض الثلجي و لا شعرك السحري المجدول و لا قوامك الملفوف .. فالصورة أمامي مجردة تماما اعيدت الي سيرتها الأولي لكي تري نفسك قبل التحلل و الفناء الكامل .. و تمر امامك بعض المواقف التي استأسدت فيها و زأرت و القيت الرعب في نفوس من حولك و تحكمت فيها في مصائر بشر ظنا منك انك تملك ما لم يملكون .. أين انت الآن ؟؟ و ما الفرق بينك و بينهم ؟؟ لا شيء علي الاطلاق .. فلم كان كل هذا الزئير و العويل ؟؟ انظر و تمعن النظر في هذا الظل الذي أمامك و ارتقب النتيجة لعل الله يمنحك كرة أخري فتعمل صالحا يرضاه .

خفتت الأنوار في الغرفة و بدأ سرير الفحص في الانزلاق متهاديا و محدثا أزيزا خفيفا و تذكرت في هذا المشهد وقت أن تراقصنا سويا يوم زفافنا في قاعة الفندق .. حيث كانت الأضواء خافتة و صوت الموسيقي الخفيفة يتناغم في اسماعنا و لم نكن نري وقتها الا أنفسنا و نحن كمتشابكي الأيدي .. نتعثر في خطواتنا .. فلا أدعي انا أو هي أننا قد قمنا بهذا الفعل من قبل .. مر المشهد و هربت مني ابتسامة بلهاء بينما كنت ارقب و اترقب جسد زوجتي مسجي عليه في وداعة و هدوء و ايمان لا يخلو من الترقب ، ثم انطلق الضوء الرئيسي من أنبوب الجهاز و الذي يخترق الجسد ليصل الي العظام غير عابيء بأي عوائق أو عقبات أمامه ثم يلملم أوراقه و يعود من حيث أتي بعد أن يكون قد أتي بالتفاصيل الدقيقة .. أين يكمن المرض اللعين ؟؟؟؟

سالت رب العباد ان يلطف فيما قدره بنا و ان يقوينا علي ما ابتلانا به و اخترت الا تكون دعوتي بأن تكون النتيجة سلبية حيث أنني قررت أن أكون حييا مع من خلقني و بالرغم من ايماني و تأكدي من قدرته العظيمة علي فعل ما لا ندركه نحن الضعفاء ، فما قدره الله قد وقع بالفعل سواء كان خيرا أم شرا و علينا إذن ان نبتهل اليه ليثبتنا و يجعلنا من الشاكرين لا من الكافرين .

و كأن أسلوب الفحص يفرض عليك أن تعيد حساباتك منذ أدركت معني الحياه خلال الثلاثون دقيقة و هي مدة الفحص ، فقد تراجع السرير الي الوراء ليرجعك الي بداياتك ثم يبدأ في الصعود من اخمص قدميك الي آخر نبتة في شعر راسك ليكتشف الي اي مدي استطاع السوس ان ينخر في عظامك ؟؟ و هل اكتفي بالعظام أم تركته لكي يتجرأ علي اللحم ايضا ؟؟

و بدأ تقدم السرير و تعلقت عيناي بشاشة الكومبيوتر .. مر المسح الذري من اخمص القدمين حتي توقف الي الركبتين ليسجل الربع الأول من الجسد المستسلم أمامه و ليحرق شوق العقل الذي يتابعه .. مر هذا الجزء و مرت معه في ذاكرتي السنوات الأربع الأولي في حياتنا منذ تعارفنا و خطبتنا حتي أصبحنا زوجين .. كم كانت متعبة و مرهقة و جميلة و رومانسية ..و كما لم يستطع السوس أن ينخر في هذا الجزء تماما كما لم يستطع احد ان يضج علينا مضجعنا و يعكر صفو أحلامنا و أمانينا بغد مشرق و مستقبل زاهر و ذرية صالحة .

ثم لم يلبث الجهاز سريعا متعجلا و كأنه يرفض أن يجعلنا نستمتع بما وصلنا اليه و لو لحظيا ، بدأ في فحص الجزء الخاص من الركبتين الي الحوض و هو الربع الثاني من جسد أم أولادي و رفيقة دربي و ساعدي الأيمن الذي طالما أثقلت عليه بسخافة و توتر غير مقصودة في معظم الأحايين و مع هذا لم يكل عن تلبية مطلباتي بهمة و نشاط جعلتني أغض النظر عما أسببه له من عجز و إرهاق و قد كان عزائي كما كنت أتخيل أنني أعد العدة لكي اريحه تماما من هذا العناء في وقت قصير و لم أكن أدرك أن الراحة للسليم لها مذاق مختلف تماما عما هي للسقيم .. و وجدتني اخاطبها همسا و رأيتها تسمعني حيث أومأت الي و اطلت بنظرة من تحت نقابها من كثرة ما تحويه من معان .. تاهت أفكاري و تبلبلت حواسي .. اعتذرت لها عما قاسته معي في السنوات الأربع الاولي من حياتنا .. من إجهاض الي حمل آخر الي ولادة متعثرة الي ديون متراكمة و عناء نفسي لاحساسها أنني غير راض عن طبيعة عملي و لأنني أشعر أنني أمتلك من القدرات التي تؤهلني لغير ذلك .. و لطالما أذكت هذه الروح لدي .. لن أنسي كل هذه المشقة و التي انتهت نهاية غامضة و خطيرة .. فقد قررت السفر الي المجهول هربا من هذا الواقع و قبلت .. و بعت كل ما أملك .. و قبلت .. و تقوقعت مع صغيرها زياد و هي تحمل بين أحشائها حمل وليدنا عاصم في غرفة في بيت أمي الحبيبة .. و قبلت .. ماذا كنت تنتظرين ؟؟ و ما الذي أعطاك الثقة هكذا أن الحال سيتغير الي الأحسن ؟؟ كيف أدركت هذا و كل المؤشرات لم تكن تنبيء بأي من ذلك ؟؟ وكما أنها كانت نهاية غامضة .. جاءت أيضا النتيجة للفحص غامضة .. فقد تلالأت بعض الومضات بالعمود الفقري مستجيبة للفحص النووي !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!! رحمتك يا رب


صمت الجهاز و توقف .. و توقف معه قلبي لبرهة و ادركت أن سر الحياة ليس دقات القلب و انما يكمن سرها فيما تعنيه تلكم الدقات .ز فقد يدق بانتظام بلا معني فلا تظن أنك تحيا بل و الله إنك لميت مثل الكثيرون و الكثيرون الذين ترهق قلوبهم من العمل دون أن يذوقوا طعم الحياة .. لم استطع البقاء و خارت قواي و خشيت ان تفر من عيني دمعة لا اريدها أن تظهر أمامها و آثرت الابتعاد لتحضير نفسي للمجهول الغامض القادم ...

· حقيقة لا يسعني الا أن اتقدم بخالص شكري و تحياتي الي كل من قام بالتعليق علي ما كتبته زوجتي أم البنين و ما كتبته انا زوج أم البنين – افضل من ابو البنين – و كذلك السؤال بلهفة عن صحتها و قد انشرح صدري فعلا عندما أدركت أن مصر ستظل زاخرة بعقول و سواعد أبنائها ما دام فيها من هم مثلكم ..
أما أنا أم البنين فأشكر زوجي على وصفه لتلك اللحظات من حياتنا......واشكر قراء المدونه على تعليقاتهم ...وأحب أقولهم إن الوصف للموقف في مركز الأورام فعلا وصفه هو....فهو معلمي وأستاذي الذي تعلمت الحياة على يديه.....فليبارك ليه الله فيه ...ويحفظ لنا أولادنا
وإلى اللقاء المره القادمه مع الجزء الأخير من القصه...