الجمعة، 13 يونيو، 2008

الحاج عبد الوهاب


الحاج عبد الوهاب ...رجل لا تملك عند رؤيته إلا أن تحبه...تحب كل تفاصيله..
فوجهه يظهر عليه آثار الزمن ..بتجاعيده وشعره الأبيض...ولكن الزمن لم يمس روحه الشابة التي تقفز من بين ضلوعه...فتحرك فيك مشاعر الشباب والنشاط والسعادة..
إذا مشي ...مشى معتزاً بنفسه..وإذا تكلم جذبك بحديثه..وأسلوبه الراقي في الحديث..
إذا سكت..جذب إنتباهـك لتتأمل سكوته...وتحاول أن تدخل عالمه الخاص..لتعرف ما يفكر فيه..
يحافظ على صلواته في أوقاتها ...يذهب إلى المسجد مبكراً في صلاة الفجر..ليكون أول من يدخله ...ويجلس في محرابه يذكر ربه حتى شروق الشمس..
يهوى سرد الحكايات..يجمع أحفاده كل ليلة..ويحكي لهم عن الجنيِه التي ظهرت له وهو مازال شابا يافعا أثناء عودته إلى منزله ليلاً..وحكاية جارتهم التي إختفت أثناء جلوسها مع زوجها وأولادها..لأن القطه التي دخلت المنزل كانت جنيَه وأخذتها معها إلى عالمها السفلي...وحكايات وحكايات...لا يمل منها وقد يكرر بعضها ولكنه لا يتذكر ذلك ..أو هكذا يبدو...ويحكيها في كل مرة وكأنه يحكيها للمرة الأولى..
كما يهوى مشاهدة الأفلام العربية القديمة..ولكنه لا يعرف إسم أي من الممثلين أو حتى الممثلات...وفي كل مرة يشاهد فيها فيلماً يسأل حفيدته ...من هذا الممثل ومن تلك الممثله...
وطبعاً الحفيدة لا تتركه حتى تعلق قائلة :
يا جدو إنت لسه محفظتش أساميهم..!!!!
ومع بساطته وبساطة تعليمه إلا أنك لو تحدثت معه يشعرك بأنك تتحدث مع شخصية فريدة..فهو يتكلم في أمور شتى ..وحديثه حديث العالم ببواطن الأمور..
وهو بالفعل كذلك...فنظرة منه كافية لأن يحلل الشخص الذي أمامه ويبدي فيه رأياً صحيحاً....ولا يكتفي بذلك ..بل ويتوقع ما قد يحدث منه في المستقبل..ومع الأيام يصدق حدسه وكلامه...عجيب أمر ذلك الرجل..!!!
إذا دخلت منزله القديم المبني من الطين ...والذي عاش بين جدرانه ..عمراً طويلاً قبل أن ينتقل إلى منزل آخر من تلك المنازل الحديثة ..
إذا دخلت ذلك البيت أحسست براحة ..وبكرم الضيافة من ذلك الشيخ الكبير..فهو يعد لك الطعام بنفسه.. ويساعد زوجته في كل شيء ...وعلى مائدته لا يتركك حتى تأكل من كل شيء..وأي شيء...
في المساء يجمع أحفاده ..ويصنع لهم عشاءً ساخناً ويجمعهم حوله ..ليحكي لهم من جديد.
كان يحلم أن تكبر حفيدته التي يحبها كثيراً..وتصبح طبيبة..ولم يكن يناديها باسمها ..بل ..يا دكتوره.......حتى رسخ في نفسها هذا الحلم ..وكان يطلب منها دائماً أن تفتح عيادة للفقراء والمحتاجين وأن يكون فيها يوما بالمجان لمن لا يستطيع دفع الكشف...ما أحلاه من حلم.. وما أبدعها من أمنية ...
وكبرت الحفيدة وكبر معها الحلم...وقبل دخولها كلية الطب بأشهر قليلة مرض الجد ..ثم توفيَ...ولم يرى حفيدته وهي تحقق أمنيته وتدخل كلية الطب..ولم يفرح معها..
ولكن الحفيدة كبرت وتخرجت ..ولا يزال حلم الجد في داخلها يملء كيانها..تنتظر يوماً لتحقيقه..
هل أحببتم ذلك الرجل كما أحببته...
إنه جدي...الحاج عبد الوهاب..رحمه الله.