الجمعة، 12 سبتمبر، 2008

أصيله يا بلدي


في الصباح وبتثاقل فتحت عيناي على صوت أبنائي وهم يتناقشون ويثرثرون وكل منهم يجهز لما سيفعله في هذا اليوم ..تنبهت كم الساعة الآن فأنا في رمضان لا أنام إلا بعد شروق الشمس ..آه إنها الواحدة ظهراً ..يبدو انني تاخرت في نومي...أنصت لحديث الأولاد فأيقنت أنني فعلا تأخرت ..اليوم موعدنا للقاء المدونين في مستشفى أبو الريش ..أسرعت فوجدت الأولاد قد إستعدوا ..ما هذه الروح التي تفرحهم هكذا ...إستعددت بسرعة وأسرعت معهم إلى الطريق ووضعنا أنفسنا في أول تاكسي قابلنا.

وعند المستشفى تسارعت دقات قلبي فكم مرة دخلتها من قبل كطبيبة أداوي هؤلاء الأطفال ..وكم مرة جلست مع الأطفال وتعلقت بأحدهم ولعبت معه وفي الصباح لا أجده ..ويخبرونني أنه توفى في منتصف الليل ..لفشل كلوي ..فتنزل دموعي طوال النهار ..تذكرت كل ذلك وأنا على الباب ...لمحت المدونين ..ولكني تأخرت على اللحاق بهم لتاخري مع ذكرياتي ..

لحقت بهم في داخل المبنى ..لم أصدق وجود كل هؤلاء الناس الذين جمعهم حب الخير ...فالأغلبية لا يعرفون بعضهم ولكن لا أحد يهمه سوى فعل الخير ..لعب وهدايا واموال لأطفال في عمر الزهور كتب الله عليهم المرض ..وسبحان الله مالي أرى المشاهد وكأني أراها لأول مرة ..لم أستحمل أن أرى آلام طفل والأنابيب معلقة في رأسه ..أو آلام أم تنظر لطفلها وهو يبكي ولا تستطيع أن تفعل له شيئاً.

أنهيت جولتي مع أبنائي ..ونزلت مسرعة أريد الخروج ولكن زياد أبى إلا أن يطلع مرة أخرى لتوزيع الهدايا إنتظرته ..وأنا ألملم مشاعري ..سلمت على المدونين والمدونات وسألتهم الدعاء لي وخرجت مسرعة ..تتمزقني مشاعر شتى..أردت ان أمشي في شوارع القاهرة قليلا ..دخلنا أحد محلات العصير لشراء عصير للأولاد ..فوجدت صوت شاديه ...

ويتبدل المكان ويتغيرالزمان لكن يامصر إنت يا حبيبتي زي ما انت أصيله زي ما انت ..

دموعي دائماً تنزل كلما سمعت تلك الأغنية في غربتي ولكني اليوم سمعتها بإحساس مختلف ..فعلا مصر ستظل أصيله بأولادها الذين كنت مهعم منذ لحظات..



...........................................................................................................................
المشهد في صلاة الفجر في مسجد صغير في أحد أحياء القاهرة الساهرة المفعمة بنبض رمضان والمعطرة بروائح المسك والعنبر التي تفوح من مساجدها ..


إمرأة مسنة تمشي متكأة على عصاها..تأتي تتهادى في مشيتها حتى تصل إلى المسجد فيسرع كل بنات المسجد للإمساك بها وتوصيلها إلى أقرب مكان تستطيع أن تصلي فيه ..تبدأ في صلاتها ولسان حالها يدعو لكل من في المسجد ..تسمع دعواتها فيرتاح لها قلبك ..تنظر إليها وهي تصلي وتجاهد نفسها لتنزل من على كرسيها لتسجد على الأرض فتتساءل أي قوة تدفعها لذلك



نساء كبيرات في السن ولكنهن يملكن روح الشباب ..صلاة في المسجد ...وتجميع تبرعات ..وعمل أكياس رمضان ..وإفطار صائمين ...وعمل الخير على كل وجوهه



بنات في عمر الزهور ..زهرات يتنقلن في جنبات المسجد فيملأنه بهجة وسعادة ..ندى وشيماء وولاء وسماء ومنة..وغيرهن ..عندما تراهن يمتلكك إحساس بأنه مازال أمل في وجود أمهات للمستقبل ..يصلين الفجر في المسجد ويحفظن القرآن ويسارعن للخير ..



أتذكر شاديه مرة أخرى ..فعلاً ..

لكن يامصر انت ياحبيبتي زي ما انت أصيله زي ما انت.