الثلاثاء، 7 أبريل، 2009

ربي فوقنا



بعد عذابات يوم طويل مع بنينيَّ المشاكسين ..وبعد جهد يوم شاق لزوجي في عمله ..

تاقت أنفسنا إلى جلسة على شاطيء البحر ..لنغسل عناء اليوم ..ونلقي بهموم غربتنا على أعتابه.
تخيرنا مكانا هادئا ..تحدثنا قليلا ثم آثرنا الصمت لنستمتع بعطر رائحة البحر ..

فشاطيء جدة يصبح ساحراً في أواخر الشتاء ..الريح البحرية تهب برقة وعذوبة ...وذلك الظلام الممتد بلا نهاية ..والذي يجعل من ينظر إليه يتساءل عما وراءه ..مجرد أنوار تتلألأ من بعيد ..غموض وسحر عجيب .
شعرت ببرودة تسري في جسدي فأحضر زوجي غطاءا من السيارة لعلني أستمتع بجلستي ..

فهو يعرف أنني لا أتحمل برودة الجو ..
مرت برهة أخرى وحديثنا صمت طويل تتخلله بعض الحكايات ..ثم نعود لصمتنا

لنستمع إلى هدير الأمواج ..وأصوات من أعماق البحر تنادي من يهوى الجلوس عليه ..
شردت وتذكرت أيام صباي ..حيث كنت أهوى الجلوس على شاطيء البحر ليلا ..يلفني ظلام الغربة أيضا ..فالغربة صاحبتي منذ طفولتي ..
إنتصف الليل ..وانتصف القمر في السماء بدرا ينير السماء ويرسل خيوطه الفضية على صفحة الماء ..ويجعل النجوم أكثر وهجا وضياءاً.
لسعة البرد وتيارات الهواء جعلتنا نقرر الرحيل

وبينما نستعد ..فإذا بصوت ضعيف يأتي من خلفنا ينبهنا أننا نسينا شيئا ...
إلتفتنا فوجدنا ملاكاً صغيراً ..لم تتجاوز الثامنة من عمرها ..

تلبس عباءة سوداء تظهر بياض بشرتها المتوهج..وخصلات شعرها المسترسل في نعومة تظهر من تحت حجابها الذي لفته حول وجهها الصغير ..لتظهره كهالة من نور.
ملامحها ولكنتها يوحيان أنها من بلاد الأفغان ..سألها زوجي من أين أنت...ردت ..أنا من أفغانستان.
كانت تحمل في يديها الصغيرتين مناشف .. وعلى ظهرها كيس كبير تعاني من ثقله ..
سألتها ماذا تبيعين غير المناشف ..أسرعت وفتحت كيسها لتعرض علي ماتبيع ..

وهي تضحك وتوزع إبتساماتها هنا وهناك ..
سألها زوجي ..هل أنت هنا بمفردك ..

ردت بأن والدها معها ولكنه في مكان آخر على الشاطيء ..وأشارت إلى اللانهاية ..
سألتها وألا تخافين أن يؤذيك أحد هنا ...
ردت ببراءة الأطفال ..كلا سأضربه أنا أيضا ..
ولكنك وحدك ..وأنت صغيرة
ردت بثقة ..ولكن ربي فوقنا سيحميني..
إهتز قلبي ..وارتعد جسدي كله ..لم تكن نسمات البرد السبب ..ولكنها كلماتها ..
نظرت إليها ..تساءلت ..من أين أتت بتلك الثقة في أن فوقها رب يحميها ..إنها فطرتها التي دلتها
إشتريت منها ما أريده وما لا أريده ..حملت بضاعتها على ظهرها وابتعدت وابتسامتها لا زالت تمرح في المكان .
بقيت أتابعها ..حتى ابتعدت وتلاشت ..
ألقيت بنفسي في سيارتنا لأحتمي من لفحات البرد التي تزايدت ..ولكني كنت أعلم أنها ستظل في ذلك البرد ..
لها رب يحميها....