12 أكتوبر, 2009

طائري الصغير


الزحام شديد والناس تتدافع لدخول المطار ..بوابة الرجوع إلى الأوطان ..كل إلى وجهته كل يحدوه أملَ لقاء الأحباب والأهل
أخشى على أولادي الضياع بين دفوع البشر وتلال الحقائب المحمولة على العربات والتي تحجب الرؤية ..
نقف في صف الإنتظار الطويل ..وكأنني لابد لي من الإنتظار إلى آخر لحظة لأبدأ طريق العودة إلى الوطن .
الصف طويل والإنتظار ممل ...طفلي الصغير لا يريد الإنتظار فلقد انتظر طويلا ..
يخرج من الصف ..ويجري بعيداً باحثاً عن حريته ..ألتفت إلى زوجي لأخبره أنني خارج الصف ..أجده مشغول بمكالمات هاتفية للعمل ..تعليمات العمل تطارده إلى آخر لحظة ..
أتركه وأبحث عن صغيري..إلى أين ذهب..مسؤول الأمن تركه يخرج لأنه هو أيضا مشغول بمحموله ..تباً لهذا المحمول ..
أخيرا وجدت صغيري إنه مثلي يأبى الإنتظار ..
في صالة الإنتظار الكل مشغول بالحديث في محموله ...هذا يودع من يتركهم ...وهذه تُطمئِن من ينتظرونها ..هل أصبح المحمول ضروريا إلى هذا الحد ..أم أنهم يريدون الهروب من سأم الإنتظار مثلي ..
أخيرا أسمع الإعلان عن رحلتنا ...صغيري لا زال يريد أن يفلت من يدي ..
في طريقي إلى الطائرة ..أتلفت حولي ..أجد الجميع يتحدثون في هواتفهم ...حتى الأطفال ...عجبا فيم يتحدث هؤلاء الأطفال ..؟؟!!!ومع من يتحدثون ..؟؟
في الطائرة الجدل الذي لا ينتهي كل عام بين أولادي ..من يجلس بجانب النافذة ..أتجاهل هذا العراك وأبحث عن الصغير من جديد ..إلى أين ذهب هذه المرة ..لا مجال هنا ليطلق لحريته العنان ..
في طريقي للبحث عنه ..أجد صاحب النظارات السوداء لا زال يحدث شريكه في العمل ..ولازالت صاحبة العيون الزرقاء تتحدث بصوت خافت وتضحك من آن لآخر ..حتى زوجي لازال مشغولا بمتابعة العمل في محموله ..
أين صغيري ...أنظر من النافذة ..أجده قد فرد جناحيه وطار بعيدا ..أقفز خلفه وأترك لجناحيَّ العنان ..أخترق السحاب عائدة إلى الأوطان ..

20 سبتمبر, 2009

حقائب سفر




منذ شهرين وأولادي يسألون متى الرحيل ..أردُ عليهم يوم الخميس ...يسألون أي خميس ؟؟..أتهرب من الإجابة ..أريد أن أسقط الفترة المتبقية من ذاكرتي ..ولكنهم لا يملُّون السؤال ..وأنا أتشاغل عن إجابتهم بتحضير حقائب السفر .

اليوم إشتريت بعض الملابس ..وضعتها في حقائبنا المكتظة التي تلفظ أنفاسها الأخيرة ..لا مكان لشيء آخر ..

نظرت لزوجي وجدته قلقاً من طلبي الذي يتوقعه ..نريد حقيبة جديدة .

ظننت أنني انتهيت من تحضير الحقائب ...فاجأني إبني الأكبر ..( أمي أريد أن أضع لعبتي ..وبعض القصص ..) وتبعه الآخر ..( أمي هل تذكرتِ أدوات السباحة ..)...

سيُعاد ترتيب الحقائب من جديد ..فرصة لنسيان ..متى موعد الرحيل ..ومتى يأتي الخميس .

الأيام لا تتحرك ..يبدو أنها تعاندني ..تريد أن تزيد من غربتي ..تتقاذفـني بين فرحة الرحيل ..ومعاناة الإنتظار ..وقـلق من رحـيـل آخـر إلى غربتـنا ..لقد سأمت تلك الدوامة ..دوامة تتكرر ولا تـنتهي ..

بين مشهد الإستقبال وفرح الرجوع وبين مشهد الوداع ودموع الأمهات ..بينهما لحظات من عدم الإدراك ومحاولات التأقلم التي سريعاً ما تنتهي .

لماذا أفكر دائما في الرجوع ..وأضنُّ على نفسي لحظات سعادة عابرة ..!!! هل تعودت الترحال أم أني أدمنت القلق..

وأخيرا جاء الخـميس ...سنرحل اليوم ..ما هذا الكم الهائل من حقائب السفر ..هل أحمل فيها ملابسنا ..أم أني أحمل أحلام الرجوع المنتظَـر

تركتها جميعا وقررت الرجوع بدون حقائب سفر .

11 سبتمبر, 2009

حكاية مايكل


تأملت خارطة الوطن ..في محاولة لإيجاد حدود بيننا وبين الآخر ....وطن لنا ووطن لهم ..كما يريد أولئك ال.....
لكزني إبني ..أمي ...لماذا يريدون وطن لنا ووطن لهم ..ألسنا جميعا ً مصريين ...تأملت خارطة الوطن مرة أخرى ...لم أرى أي أثر لحدود ..
شعرت بيد زوجي على كتفي ..يزيل كل تعب البحث في خارطة الوطن ..
هل أعددتِ لوليمة الإفطار السنوي..
نعم كل شيء مُعد ..لا تقلق ..
تعود زوجي أن يقيم كل رمضان يوماً لإفطار كل من يقيمون هنا في غربتنا بدون زوجاتهم من أصدقائه ومعارفه ..وتعودت كل عام على الإستعداد لهذا اليوم ..أستشعر فيه نسائم الوطن ..ولمَّة الإفطار بالرغم من أنني أفطر وحدي في هذا اليوم ..إلا أن جو البيت يكون مختلفاً
ولكن هناك ضيف جديد هذا العام ..هكذا أخبرني زوجي ...
ومن هو ..؟؟؟
إنه مايكل ..إبن جيراننا بالقاهرة ..
للحظات شردت في خارطة الوطن ..تلاقت نظراتنا ..فهِم ما يدور في ذهني ..
بادرني ..لا تقلقي ..فله هو أيضا طقوسه في رمضان ..هكذا أخبرني ..تعود أن يفطر مع أصدقائه محمد وعمر ..بعض أيام من رمضان ..ويشاركهم السهر على قهوة الفيشاوي ..
إنشغلت طوال النهار في الإعداد للإفطار ..ولازلت أبحث داخلي عن حدود داخل وطني ..دق جرس الباب ..حضر مايكل ..مبتسما قدم للأولاد الشيكولاته التي يحبونها ..
وجدت ولدي خلفي ..أمي ..أمي ..عمو مايكل أحضر لنا شيكولاته ..لماذا يقولون لنا في التلفاز أنهم لا يحبوننا ...نظرت إلى عينيه المتسائلتين ببراءة ..لم أجد إجابة ..تشاغلت بتحضير السفرة ...لعلي أجد إجابة ...
كل شيء على مايرام ..رُفع أذان المغرب ...دعى الجميع الله أن يحفظ أوطاننا ..تناولوا التمر والقهوة العربية التي أصبحت أجيد صنعها ..
قاموا للصلاة ..طلب زوجي من الأولاد أن يبقوا مع مايكل حتى لا يشعر بالوحدة ..ظلوا معه يتضاحكون ..سألهم هل تصومون اليوم بأكمله ..تسابقوا ليعلن كل منهم زهوه بصيامه اليوم كاملاً ..
أمي ..مايكل ليس سيئا كما كنا نتصور ..هكذا أخبرني أولادي بعد الإفطار ..
ربت زوجي على كتفي شاكرا لي تعبي الذي نسيته مع كلماته ..

أخذ يحدثني عن سرور مايكل وسعادته البالغة بالإفطار معهم ..وأنه إستشعر وجوده في وطننا اليوم ...كان هو يحكي بينما كنت أنا أطوي خارطة الوطن ..فلا مكان فيها للحدود .

20 أغسطس, 2009

سلي صيامك يا فاطر




سلي صيامك ..وخليك عندنا ...سلي صيامك وإوعى تغير المحطة ..سلي صيامك بوجبة متكاملة من الأفلام والمسلسلات والبرامج الفكاهية والترفيهية ..
ليالي ..حرب الجواسيس ...بني آدم شو ..رامز حول العالم..ماتخافوش ..
أفلام أربعة وعشرين ساعة ...
برامج كوميدية على قنوات الكوميديا أربعة وعشرين ساعة ...
أغاني لسه طازة ..على قنوات الأغاني ..وبرضه أربعة وعشرين ساعة ..
كل ده ...ولسه ..عندنا مش هتقدر تغمض عينيك ..
صراحة لا أستطيع أو يستطيع أحد أن يغمض له جفن أمام هذا الكم الهائل من المسلسلات والأفلام والبرامج التي تسلي الصائم
ولكني أتساءل ..تسلي الصائم لماذا ..؟؟؟؟؟؟
وهل إختلف يومنا في رمضان ..هل تركنا أعمالنا ومشاغلنا وأصبحت أوقاتنا تحتاج لتسلية ..بغض النظر عن ما نتسلى به
كما أنني أتساءل ..لماذا يُصر الإعلام على إبعاد الناس عن الهدف الأساسي من رمضان ألا وهو عبادة الله والإستزادة من الخيرات.. وتوجيه الإهتمام بالمسلسلات ذات الإنتاج الضخم والتي أنتجت خصيصا للشهر الفضيل
ولماذا أصبح هناك إرتباط وثيق بين شهر رمضان وتلك المسلسلات سواء كانت جيدة أو هابطة ..وبتلك البرامج الفجة التي لا معلومة فيها ولا فائدة سوى استعراض الفنان أو الفنانة لأنفسهم
والأدهى أن كل قناة قد خصصت برنامج يومي قبل رمضان للحديث باستفاضة عن برامجها ومسلسلاتها وسؤال الجمهور عن البرامج التي سيتابعونها ويتركون صيامهم وقيامهم ..
لقد تاه عن مسؤولي الإعلام في بلادنا قول رسولنا الكريم " من صام رمضان أيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدّم من ذنبه".
فمتى سنصومه إيمانا وإحتسابا ونحن لا نستطيع أن نغلق أعيننا عن المسلسلات والأفلام
يقول رسولنا الكريم "جاءكم شهر رمضان, شهر مبارك كتب الله عليكم صيامه فيه تفتح أبواب الجنان وتغلق فيه أبواب الجحيم"
فأين نحن من أبواب الجنان ونحن لا نتحرك من أمام شاشاة التلفاز ليل نهار ..
متى سنصلي المغرب وفترة ما بعد الإفطار مكدسة بالبرامج ..متى سنصلي التراويح والمسلسلات عرض مفتوح حتى الساعات الأولى من الصباح ...وهل هكذا نكون صائمين بالفعل ...مجرد تساؤل
يقول الحق تبارك وتعالى في أعقاب آية الصيام ... {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}
إذاً فالدعاء مستجاب بإذن الله في رمضان ..فلنرفع أكف الضراعة إلى الله أن يهدي إعلامنا إلى ما يجعلنا نحافظ على صيامنا ..فلا ينطبق علينا المثل القائل ...سلي صيامك يا فاطر

08 يوليو, 2009

أمي ..من هي مروة ..؟؟


ألقيت بنفسي داخل صومعتي في محاولة للملمة أشلاء نفسي من هول ما قرأته في الجريدة ..

أبى ولدي إلا أن يخرجني من وحدتي ..وجدته يحتضنني بشدة ..أمي ..من هي مروه ..
تهاوت أمامي صورة جسدها ..وتناثرت دماؤها على جدار قلبي المزخم بالأحزان ...
تاهت الكلمات على لساني ..وتساقطت دموعي على خد ولدي المختبيء داخل أحضاني ..
أعاد التساؤل ..أمي هل قتلوها لأنها مسلمة ..ترتدي الحجاب ....؟؟
مرة أخرى ...طار حجابها المليء بدمائها ليغطي وجهي ..ويحجب عني الرؤية..
لم يسكت ولدي ..وليته يسكت ..أمي ..هل شاهدها ولدها ..هل كان معها ..؟؟
رأيتني أحتضنه ..إحتضنته بشدة ....حتى لا يرى أمه في دمائها ..
أمي هل سيذهب معها إلى الجنة أم يبقى وحيدا في الدنيا ....؟؟
ليتك تخرج يا ولدي خارج صومعتي وتتركني ألتفُّ بأحزاني ..تساؤلاتك تزيد الجراح في نفسي ..
ولدي يأبى إلا أن يبقى معي ..أمي أخاف عليك يا أمي ..إرتسمت علامة استفهام على وجهي الحزين ...هل سيقتلونك لأنك مثلها ترتدين الحجاب ..؟؟
حاولت الخروج من أحزاني... لكني لم أجد قداميَّ تحملني ..
تهاويت ..إحتضنت ولدي بشدة ..خرجت حروفي من بين شفتي مبللة بدموع التصميم ....

لا حبيبي لن يستطيعوا هذه المرة ..

13 يونيو, 2009

رسائل مغتربة ...بلادي التي لا أعرفها

اليوم يوم الخميس.. أجازة الأولاد.. قررت فى لحظة من غياب عقلى أن أصطحبهم إلى حديقة الحيوان.. وعندما تذكرت ما سأقاسيه من زحام المواصلات من حى القلعة إلى الجيزة ندمت أشد الندم على ذلك القرار.
ولكن لم يكن هناك بد.. لم أتعود معهم على أن أرجع فى قرارى.. أو أخلف وعدا وعدتهم إياه.. استعدوا وكلهم فرح بتلك الرحلة المنتظرة.. أما أنا فكنت استعد للزحام على محطة الأوتوبيس..
عرجنا من الحارة الضيقة التى نقطنها والتى تسع أصحابها وساكنيها منذ عشرات السنين.. حالها كحال كل الحارات الضيقة التى يمتلئ بها حى القلعة..
عرجنا إلى شارع السيوفية لنصل إلى محطة الأتوبيس فى وسط ميدان القلعة..
لحظات مرت.. لم أعرف أين أنا..
لم يكن هناك أحد على محطة الأوتوبيس.. أين ذهب الناس..
والميدان لم يكن هو نفس الميدان الذى تعودت رؤيته منذ سنين..
فالنافورة التى لم يكن بها ماء منذ طفولتى كان يتناثر منها الماء فى كل اتجاه بطريقة منتظمة.. كوردة متفتحة فى أول أيام الربيع.
الميدان كان فى غاية النظافة والأناقة والجمال.. لم أعهده هكذا من قبل..
لم أجد طابور الخبز الطويل عند ذلك الكشك الموجود عند بداية شارع سوق القلعة.. هل أعرض الناس اليوم عن أكل الخبز.. أم أنهم وجدوا له بديلا..؟؟!!!
ها قد وصل الأتوبيس.. أسرع الأولاد لركوبه.. أسرعت خلفهم لأجد الأتوبيس لا يوجد به أحد سوانا.. ما الذى حدث فى البلد.. طغت فرحة الأولاد بالأتوبيس الخالى من الزحام على استغرابى.
الشوارع اليوم مختلفة.. الزهور متفتحة والأشجار مورقة خضراء.. هل هذه بلادى التى أعرفها..
لاحت من بعيد قبة الجامعة الحزينة.. لا لم تكن حزينة اليوم.. كانت تتلألأ من على بعد.... زال عنها تراب السنين.. وحزن الأيام الذى جعلها تبدو كعجوز مسكين تنتظر حكم الأيام.
أين أنا.. هل هذه بلادى.. إنها بلادى التى لا أعرفها.
أتانى صوت إبنى.. ماما ماما.. لكزنى ليوقظنى من غفوتى...أين أنا..؟؟؟
إنت هنا يا ماما..
أفقت وجدت نفسى لازلت هنا فى غربتى..فتحت التلفزيون لأعرف أخبار بلادى.. جاءنى صوت المذيع يعلن أن اليوم هو الجمعة وقد رجع كل شئ فى شوارع القاهرة لطبيعته بعد انتهاء زيارة أوباما..رجع الزحام على محطة الأوتوبيس.. وسكتت مياه نافورة ميدان القلعة إلى الأبد.. ورجعت الشوارع تعج بالزحام وعادم السيارات... وطابور الخبز الذى لا ينتهى.. رجعت قبة الجامعة لحزنها..
رأيت بلادى التى أعرفها.
المقال بجريدة اليوم السابع من هنا

09 يونيو, 2009

حب فوق السبعين


لا أعرف ما الذي دفعني للشغف بتلك المرأة المسنَّة ذات البشرة البيضاء التي تلاشى جمالها بفعل الزمن و التجاعيد الزاحفة إلى تلك البشرة الجميلة.. وبفعل تلك البقع البنية التي أبت إلا أن تنتشر على البشرة الناصعة البياض ...
أهو وجهها الصبوح ..أم تلك الروح الصبيَّة التي تتمتع بها بالرغم من تجاوزها عامها السبعين ..أم أنه حب الحياة الذي يكمن بداخلها ...حب للتمتع بكل جماليات الحياة ...أم لتلك الطبيعة المتدينة التي تصبغها ..وتزيد وجهها إشراقا ...
لا أعرف على وجه التحديد ما الذي يشدني إليها ...لعلها تلك الأسباب مجتمعة .

كم أكره كوني طبيبة

إنها جارة والدتي الحاجَّة خيريَّة ..أراها كلما أكون في زيارة لوالدتي ...وعندما نذهب للصلاة في المسجد ..أجدها تدخل متكأة على عصاها ..التي لم تمنعها من التمتع بصلاة الجماعة في المسجد والإستماع إلى الدرس بعد الصلاة ..
كانت بصحبتها اليوم حفيدتها سارة ..المتزوجة حديثا ..لقد ربَّتها جدتها الحاجَّة خيريَّة بعد أن توفيت إبنتها والدة سارة وزوجها في حادث تألم له أهل الحي كلهم وقتها ...تاركين سارة إبنة العشر سنوات في رعاية جدتها ..وها قد تزوجت سارة ..وأصبحت الحاجَّة خيريَّة وحيدة من جديد فلقد توفي زوجها أيضا منذ زمن بعيد ..
اليوم لم تكن على طبيعتها المشرقة التي عرفتها بها ..كانت مهمومة ..أخذتني إلى أحد الأركان في المسجد لتبث إليَّ شكواها من ألم عانت منه ليلتها وجعل النوم يجافيها ..كشفت لي عن ساقيها لأرى ما فعله المرض بهما ..ولتأخذ نصيحتي كطبيبة ..بعد كشفي عليها عرفت مبدئيا أن حالة قلبها ليست على ما يرام ..كم كرهت لحظتها كوني طبيبة ..فأنا أعلم طبيعة مرضها ..وما ستنتهي إليه ..
لحظات كثيرة أستشعر بأن الجهل أحيانا ببواطن الأمور يكون أسهل علينا ..حتى لا نعلم كم يتألم من نحب ..

حب فوق السبعين

إنه اليوم المخصص لسيدات العمارة ...ووالدتي تستعد للذهاب إليهن .
قررت أن أذهب معها بالرغم من عدم وجود أحد في مثل سني تقريبا ..ولكني أحببت حضور مجلسهن لسماع حكايا يقطر منها حكمة عمر مضى ..وذكريات زمن جميل ولَّى ولن يرجع ..
عندما دخلتُ كانت عيناي تبحث عن الحاجَّة خيريَّة لأطمئن عليها ..
لم تكن قد حضرت بعد ..إتخذتُ مكانا لي بجانب والدتي التي أخذت تعرِّف الحاضرات ممن لا يعرفونني عليَّ قائلة إبنتي الدكتورة ...
كنت أضحك في سرِّي ..والدتي تفتخر بي.. وأنا أتألم من مهنتي .
لحظات ودخلت الحاجَّة خيريَّة تتكأُ على عصاها ..أسرعَت إليها صاحبة المنزل لتجلسها على أقرب مقعد ..
كانت تتنفس بصعوبة ..وقد اكتست بشرتها البيضاء بلون أحمر تلاشى بعد قليل ...
بعد أن هدأت قليلا ذهبت إليها لأطمئن عليها ..وأعرف ما فعلت مع طبيبها الذي عرفت منها أنه غيَّر لها جرعات الدواء وأجرى لها بعض الفحوصات ..
بعد برهة حانت من إحدى الحاضرات إلتفاتة إلى الحاجَّة خيريَّة لتسألها بمكر خفيَ لم يخفى عليَّ ..عن ذلك الجار الأرمل والذي يقطن في العمارة المقابلة ,ويقيم بمفرده منذ أن توفيت زوجته وتزوج ولديه , وأصبح يشغل نفسه بالإهتمام بشؤون المسجد والأعمال الخيرية في الحي .
إلتفتُ إلى الحاجَّة خيريَّة فوجدت فتاة مراهقة إحمر وجهها خجلاً عندما ذُكر أمامها إسم من تحب , إرتبكت في باديء الأمر بطريقة أثارت ضحكات الحاضرات ..ولكنها تمالكت زمام نفسها وبدأت في حديث شيِّق عن الجار الأرمل وعن أخباره وعما فعله في المسجد من إصلاحات ..وما قام به من مجهودات لنظافة الشارع ..
كانت تتحدث بطلاقة وبدون انقطاع مما جعل النساء يضحين بأحاديثهنَّ الجانبية ويستمعن لها في إنصات ..وكانت هي مستمتعة بالحديث حتى لا ينقطع لسانها عن ذكر اسمه .
ولكن إحدى الحاضرات وتدعى الحاجَّة سناء ..سألتها..والمكر في عينيها الصغيرتين.. عن سبب تواجده الدائم في شرفته في نفس الوقت الذى تتواجد هي في شرفتها في وقت الغروب لشرب الشاي ..تضاحكت الحاضرات ..وإحمر وجهها خجلا ..وقررت الرحيل هربا ً من دائرة خجلها ..أسرعت خلفها ..وأخبرتها أني سأوصلها لشقتها ..ولكني كنت في حقيقة الأمر أريد سماع المزيد ..أريد أن أعرف مشاعر إمرأة تحب وهي فوق السبعين ..أخذت تحكي وتحكي وأنا أستمع ..

23 مايو, 2009

رسائل مغتربة ...توفي حفيد الرئيس


فى خلال الساعات الماضية تسارعت الأخبار.. وعكة صحية.. مرض لا شفاء منه.. البقاء لله.. توفى حفيد الرئيس.

لم أتمالك نفسى وأنا أستمع للقرآن على جميع القنوات المصرية إلاَّ أن أذرف دموعى.. دموعٌ على طفل صغير ذهب وترك أماً ستظل تذرف دموعها ما بقيت.

ولكن ما جعل صدرى يضيق ونفسى تتألم هى لهجة الشماتة التى رأيتها فى بعض الأقلام.. وعلى لسان كثير ممن لا يحبون النظام..

قد أختلف مع من يحكمون بلدى.. وقد أكره ما يعم بلدى من فساد وظلم..

ولكنى أتساءل.. هل الموت يترك المظلوم ويأتى فقط للظالم.. وهل الموت يترك المثاليين أو من يتصورون أنفسهم أنهم مثاليون ويأتى لمن هم غير ذلك..

لماذا تذكَّرنا ضحايا العبَّارة عندما توفى حفيد الرئيس.. لماذا تذكَّرنا كل مآسى البلاد وما يقاسيه العباد.

ليس فى الموت شماتة.. فهو حق على الجميع.. فلا أعتقد أبدا أنه انتقام من الله..

وإلاَّ إذا سلمنا بهذا المنطق فأى ذنب اقترفه من راحوا ضحايا العبَّارة.. ومن ذهبوا ضحايا الإهمال أو الظلم أو الفساد.. أى ذنب اقترفه هؤلاء؟

وإذا كنَّا نشتكى من ظلم النظام وانتشار الفساد.. ألم نسأل أنفسنا يوماً.. لماذا انتشر الفساد وعمَّت الفوضى.. إنه من فساد أنفسنا.. وغياب ضمائرنا.

فنحن من نهمل فى عملنا.. نحن من ننشر أخباراً كاذبة.. نحن من نبيع المخدرات لأولادنا.. نحن من نقبل الرشوة بل ونطلبها.. نحن من نحقد على الناجح فينا.. نحن من نشرنا الواسطة والمحسوبية وجعلناها مقياس القبول.. ألم نفعل ذلك بأنفسنا؟

يقول الحق تبارك وتعالى (واتقوا فتنة لا تصيبنَّ الذين ظلموا منكم خاصة) فلنصلح أنفسنا أولاً حتى يصلح الله لنا كل شىء.

إننى هنا أتحدث بمنطق الأم التى فقدت زهرة سهرت على رعايتها سنين وكانت تحلم بأن تراها مورقة وتستمتع بعطرها.. أشعر بما تشعر به.. فلقد كابدت سهر ليالى وعذاب أيام لمجرد أن قُطع جزء من إصبع ابنى.. فما بالُنا بمن تفقد هذا الابن.. ووالدة زوجى مازالت حتى اليوم وقد تخطت السبعين من عمرها تبكى ولدها الذى فقدته وهو فى الرابعة من عمره.

أقولها..لا.. لمن يشمتون..لا.. لمن يتصورون أن الموت انتقام الرحمن الرحيم.

اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين جميعاً وارزق أهلهم وأمهاتهم الصبر والسلوان.. آمين يارب العالمين.


المقال على جريدة اليوم السابع هنا

16 مايو, 2009

غير لائق


غير لائق ..كلمات قليله ...ولكنها قد تغير مجرى حياة إنسان ...قد تهوي به من قمة الأمل إلى هاوية الإحباط واليأس ..

هذا ما كان يفكر فيه عندما اخترقت تلك الكلمات عينيه وزلزلت كل كيانه وهو يقف أمام لوحة النتائج ..

نتائج القبول في إمتحانات السلك الدبلوماسي في وزارة الخارجية .

وقف مذهولاً للحظات ..لم يعرف هل كانت لحظات ..أم ساعات ..أم كانت كل عمره شعر بان الأرض تدور به تائهة في دوامة في ذلك الكون الرحيب ..

أفاق على صوت زميل له يسأله هل نجح مثله أم لا ...؟؟

إلتفت إليه ..كان زميله أقل منه في التقدير وفي الكفاءة ..ولكنه يمتلك ما لا يملكه هو ...كان إبناً لأستاذ كبير في الإقتصاد .

نظر إليه نظرة خالية من أي معنى ..وتركه وانصرف ..خرج خارج المبنى ..لم يعرف اين يذهب ..شعر أن الكون كله قد انكمش ولم يعد به مكان ليذهب إليه ..

لقد نشأ في أسرة فقيرة ..كان والده بواباً لإحدى العمائر في أحد الأحياء التي يقطنها الأثرياء ..وأصحاب السلطة ..كان يراهم ..ويتعامل معهم ..ولكنهم كانوا أسياداً وهو خادمهم ..حلم أن يكون مثلهم في يوم من الأيام ..إجتهد ..واصل تعليمه بالرغم من كل الظروف حتى يصل إلى مبتغاه ..

كان شريط حياته البائسة يمر أمامه وكأنه يشاهد فيلماً سنيمائياً ..

صورته وهو يغسل سيارات ساكني العمارة ..

ولياليه الطويلة التي بكى فيها لأن ملابسه كل عيد لم تكن جديدة كباقي الأولاد ..ولكنها كانت مم يجود به عليه ساكني العمارة ..

كان صغيراً على أن يستوعب أن البشر مختلفون في كل شيء حتى في أرزاقهم ..

تنبه على صوت سيارة عالي ..يحذره سائقها وهو يعبر الشارع دون أن يراها ..تراجع للخلف ..وقف مذهولاً ..إلى أين ..لا يعرف ..ولكنه سار في طريقه ..

تداعت أفكاره إليه مرة أخرى ..

صورته وهو يستذكر دروسه في إحدى الحدائق ..تحت ضوء المصابيح ..لأنه لا يجد مكاناً في الغرفة التي يسكن فيها مع والديه وإخوته الذين يتزايد عددهم عاماً بعد عام حتى ضاقت عليهم الغرفة ..

صورته وهو يذهب كل يوم إلى كليته وهو يرتدي نفس القميص والبنطلون وكأنه الزي الرسمي للجامعة ..

عندما كبر واستطاع إستيعاب ما قدره الله له ..قرر أن يغير حاله ..واختار كلية توصله إلى مبتغاه ..أن يكون يوماً من تلك الطبقة التي حلم أن يكون منها ..أن تعامله تلك الطبقة باحترام.

وجد نفسه دون أن يدري على شاطيء النيل أعلى الكوبري الذي كان يمر به يومياً في طريقه إلى الجامعة ..كان يحلم عليه أحلاماً كثيرة ...لا يعرف لها عدداًلقد عرف أنه غير لائق لأن والده بواب العمارة وليس السيد الذي يقطن العمارة .

ماذا سيفعل إذاً ...هل يغير والده ...أم أنه اختار الطريق الخطأ من البداية ...إختار أن يعلو بنفسه في مجتمع لا يعلو فيه إلا من هم فوق الرؤوس ...

توقف قليلاً ...نظر إلى مياه النيل ...وجدها تعزيه في احلامه ..

وفي لحظة كان يقذف بنفسه في أحضانها..

اللوحة للفنان الإيراني مرتضى كاتوزيان



04 مايو, 2009

رسائل مغتربة..فسحة والإسم مسيار

بالأمس وخلال جولتي اليومية في غربتي على القنوات المصرية لأعرف ما يحدث في بلدي ..وأزداد مرارة لما أسمعه من آلام الناس.
سمعت حديثا عن زواج المسيار ،وانقسم المتحدثون مابين محلل ومعارض .
.تذكرت ساعتها ما سمعته هنا من قصص عن استخدام تحليل هذا الزواج بما يناسب الأهواء والأمزجة ،استغلالا لما تمنحه المرأة للرجل من حرية بتنازلها عن حقوقها في وجود المسكن أو النفقة أو المبيت ،فيا له من زواج سهل .
ولن أتعرض لكونه حلال أو حرام فهناك من هم أعلم مني بذلك وقد أعلنها المفتي صراحة أنه حلال ولكني هنا أمام استخدام سيء لهذا الزواج ،
فهذا طبيب ترك زوجته في بلده وعاش هنا وحيدا ثم تزوج زواج المسيار بحجة أنه يحصن نفسه ،له الحق ،ولكنه ترك من تزوجها وأخذ يتزوج بأخريات من جنسيات مختلفة وكله تحت مسمى زواج المسيار فهو لا يتكلف شيئا، ولا يتحمل مسئولية شيء ، وعرفت أنه تزوج أكثر من عشر مرات ،فأين السكن والاستقرار الذي يقوم عليه أساس الزواج.
والأمثلة كثيرة لإستغلال هذا الزواج بطريقة تخلخل أمن واستقرار الأسرة ,وحتى إن كان يحقق لبعض السيدات الأمن والإستقرار ولكنه في المقابل يهدم حياة إمراة أخرى لا ذنب لها سوى أن قلب زوجها تعلق بأخرى أو أخريات واستعمل المسيار ليعيش في مغامراته تحت مسمى حلال.
ولقد قرأت خبر عن سيدة مطلقة أعلنت في أحد مواقع الزواج أن سنها 28 عاما ولديها ثلاث أبناء وترغب في زوج يتزوجها زواج مسيار لأن ظروفها لا تسمح بأن يقيم معها زوج إقامة كاملة ، والمفاجاة أن جاءها 7 آلاف رسالة يرغبون في الزواج منها ومنهم شاب عمره 17 سنة .
فهل الزواج أصبح له أهداف أخرى غير تحقيق الإستقرار ووجود من يسكن الرجل إليها ومن تسكن المرأة إليه .
لا بد لمن يحلل ويحرم أن ينظر أولا لمدى تأثير الفتوى على المجتمع ومدى ما ستسببه من أضرار بجانب الفائدة المرجوة.
المقال نشر بجريدة اليوم السابع هنا

"Magical Template" designed by Blogger Buster