


يوميات أم مصريه,بتحاول تربي أولادها صح,وتقدم للمجتمع رجاله يبنوا بكره إللي بنستاه.
قررت وزوجي أن نقضي العيد في المدينة المنورة ...في محاولة منا للإحساس بالعيد في جو فيه أجواء إيمانية.. وتجمع نذوب فيه ينسينا وحدتنا في غربتنا.
ركبنا السيارة التي أخذت تجوب بنا الصحراء قاطعة الجبال الممتدة على امتداد البصر ينمو فيها شجيرات صغيرة خضراء يتداخل لونها الاخضر مع ألوان الجبل البنية المتداخله والمتدرجة...والتي تجعلك تتساءل كيف ينمو هذا الشجر المتشبع بالحياة من داخل ذلك الجبل الصخري الذي لا حياة فيه ...سبحان الله .
تذكرت أول مرة مررت فيها من هذا الطريق منذ سنوات كنت أنظر لهذا المنظر المترامي باستغراب ..بوحشة ..أما اليوم فكنت أنظر إليه بعين مختلفه ...كنت انظر وكأني أنظر إلى لوحة مرسومة بيد أمهر فنان ...لوحة لا تستطيع إلا أن تظل واقفا أمامها تتعبد في محرابها .
كانت السيارة مسرعة تطوي الجبال والوديان ..وكأنها تطوي معها عمري الذي يتسرب من بين يدي في الغربة ...ولا أستطيع أن أمسك بأي من أجزائه...أو حتى أعيشه بالطريقة التي أريدها ..إن الغربة تفرض عليك أحياناً العيش بقوانينها هي ...وبالطريقة التي تريدها ..تتحكم فيك ..وتسير بك نحو مجهول لا تعرفه .
تنبهت على صوت أولادي يتعاركون كعادتهم كلما ركبوا السيارة ..وكأنهم يستمتعون بذلك ..كبيرهم يفرض قوته على الأوسط ..أما الصغير فبفطرته قد قرر أن ياخذ جانب الأخ الكبير لاعتقاده بأنه الأقوى
تهادى إلى سمعي موال لمحمد رشدي ..الذي كان يستمع له زوجي ..
على فين ياقطر رايح
على الفرح رايح
ولا أمان زايف
قولي أفرح لي يومين
تذكرت صديقتي التي تحج هذا العام ..صممت ان تحج بعد أن عرفت أنها مصابة بذلك المرض اللعين ..قررت ألا تبدأ أي علاج إلا بعد الحج مع أن حالتها متأخرة كما أوضح لي زوجي ..
إتصلت بها ..إنها على جبل عرفات ..وجدتها متماسكة ..ضاحكة ..تسألني بماذا تدعو لي ...إضطرب قلبي...فلقد كنت أدعو الله لها منذ قليل ...والآن هي تسألني بم تدعو لي ...لم أعرف ما أقوله لها ...سألتها الدعاء بفك الكرب والشفاء والجنة لنا وللمسلمين جميعاً ...أنهيت معها المكالمة وأنهمرت دموعي ..تذكرت أولادها ..زوجها ..حياتها..
كم هي هينة تلك الحياة التي نعيشها ..في لحظات لا نجدها ...
..............................................................................................
توقفنا قليلاً في الإستراحة ...وهناك إكتشفت ان زياد كبر كثيرا ...أكثر مما أتصور ..لقد طلب من والده أن يشرب ميكاتو ..أو أي نوع من القهوة ...أدعو الله أن يكون عقله أيضاً كبر كما كبرت تطلعاته ..وخاصة تطلعه لإمتلاك محمول بكاميرتين .
................................................................................................
نزلنا لصلاة العصر بعد وصولنا ..كنت متشوقة لدخول الروضة بعد الصلاة رغم علمي أنها لا تكون مفتوحة للسيدات إلا في الصباح فقط ...أخذت أدور حول الحرم للوصول لباب السيدات لعلي أجدهم قد رضوا عن السيدات وتركوا الدخول للروضة مفتوحا طوال اليوم ولكن هيهات ..ذهب حلمي هباءً ...كما إكتشفت أنه بالرغم من أبواب الحرم المتعددة والكثيرة إلا أنهم خصصوا للسيدات 3 أو 4 أبواب فقط للدخول للروضة ..وهي أبواب بعيدة عن الروضة ...مسكينة تلك المرأة لزاماً عليها أن تتعب في كل شيء حتى في حصولها على متعة التعبد والتقرب إلى الله خالقنا جميعاً .
.................................................................................................
إنه يوم العيد ..العيد ...كلمة قد تقال ..ونشعر بها ..ولكن في الغربة ..ما هو العيد ..وكيف نشعر به ..؟؟؟
أثناء الصلاة في المكان المخصص للسيدات ( المفترض ) أبى الرجال إلا أن يشاركوهم حتى المكان الصغير المخصص لهم ..وفوجئت أنهم يصطفون امامنا للصلاة ...سبحان الله .
بعد الصلاة وجدت المصليات يسلمن على بعضهن ويتشاركن الحكايات والاخبار ..تلفت حولي فوجدتني قد جلست في مكان معظمهن من أهل البلد ...فمن أين أنا إذاً ؟؟؟؟
.................................................................................................
أخيراً دخلت الروضة ..في كل مرة كنت أبكي ولا أعرف السبب ....أما هذه المرة فلقد كنت متأكدة من سبب بكائي ...كنت أبكي متمنية وجود رسول الله بين أيدينا....يرشدنا ويهدينا ويشهد على ظلمنا لأنفسنا ولبعضينا ..
كنت أهتف أين أنت أنت يا رسولي ..وكان يسمعني ...متأكدة أنا من ذلك ..
.................................................................................................
ونحن أطفال كنا يوم العيد نلبس ملابسنا الجديده ..ونتجه لبيت جدي ونقول (إحنا رايحين العيد ) وكأن العيد مكان سنذهب إليه للإستمتاع ..واللعب ..كنا نمتلك الدنيا بأسرها ..
أما اليوم وأثناء رجوعي لم أعرف هل ذهبت فعلاً للعيد أم إلى أين ذهبت ..؟؟؟؟
...................................................................................................
قررت أن أركب الميكروباص المتجه من آخر شارع فيصل حيث منزل والدي والمتجه إلى الجيزة وبعدها أكمل إلى القصر العيني.
وقفت لاشير لاول ميكروباص ..وعندما وصل إلي سألني إلى أين ..قلت :الجيزة ..ولكنه فر مسرعاً ..
عجباً ...إن الميكروباص مكتوب عليه بالخط العريض (الجيزة -آخر فيصل ) فلماذا تركني ..ولم يقف ..!!
أشرت لمن بعده ..وحين قلت ..الجيزة ..فر هو أيضأ مسرعاً مثل صاحبه .
وظللت على حالي هذا ...يمر عليَ الميكروباص تلو الآخر ..ويرفضون الوقوف لي وكأن الذهاب للجيزة محرم اليوم ..أو كأنهم متجهين لمكان آخر ..ولكن البادج الموجود عليهم جميعاً يشير إلى أن إتجاهم الجيزة ..
وظللت على حيرتي هذه ..ووسوست لي نفسي بركوب أول تاكسي يمر بي ولا داعي للذوبان مع الناس اليوم ..
ولكن لاح لي ميكروباص ياتي مسرعاً من بعيد وكأنه في سباق مع الزمن ..قلت لنفسي أجرب لآخر مرة
وصل الميكروباص واقترب مني ..نظرت في وجه سائقه الذي لا يزال عليه آثار النوم ..كان ينظر إلي ببلاهة شديدة وكأنه يتساءل ..إلى أين ..؟
وهنا طرق على بالي لأن أساله أنا ..إلى أين انت متجه ؟
ردَ عليَ وكأني أتساءل عن شيء من البديهيات : الطالبيه
قلت لنفسي : الطالبيه ..الطالبيه
وركبت ..ركبت وانا لا أفهم لماذا يكون خط سيره للجيزة ولكنه يذهب لمحطة الطالبية فقط ..
سألته عن الاجرة ...ردَ عليَ بنفاذ صبر وكان السؤال تكرر عليه كثيراً ..خمسة وسبعون قرشاَ يا أختي
ناولته الأجرة وكلي حيرة من تصرفاته ومن خط سيره الذي لا يكمله ..
ولكن حيرتي لم تدم طويلاَ ..فما هي إلا دقائق وركب راكب ضخم الجثة يحمل حقيبته المكتظة بالأوراق ..لعله محامي ..
جلس بعد معاناة من طلوعه للميكروباص ..وما إن إستقر مكانه ووضع حقيبته على ساقيه ..حتى سال السائق : الجيزة يا أسطى ؟
عجباً له يركب ثم يسأل ..لعله عانى مما عانيت منه من إنتظار فقرر الركوب والذهاب إلى أي مكان يقرره سائقي الميكروباص الكرام ..
رد السائق : كلا الطالبيه فقط يا استاذ .
مد الرجل الضخم يده بخمسين قرشاً للسائق ..وقد رضيَ أن يوصله السائق للطالبيه فقط ..
ردها السائق له حانقاً : الاجرة خمسة وسبعون قرشاً يا أستاذ .
وهنا إنفتح الرجل بسيل من الإعتراضات : خمسة وسبعون قرشاً للطالبية بعد أن كانت الأجرة خمسون قرشاً للجيزة ..أنتم مافيا ..إتقوا الله في الناس ..ماذا ستفعلون بهم ..؟؟؟
رد رجل آخر كان يجلس مستكيناً في آخر الميكروباص ..ولكنه خرج من إستكانته ..قائلاً : يا سيدي الفاضل إنهم يقسمون الطريق لإستغلالنا ولزيادة ارباحهم .....إنهم يأكلون الحرام ..
آه فهمت الآن ..لماذا كان كل سائقي الميكروباص يهربون ..ولماذا هذا السائق يذهب للطالبية فقط دون الجيزة ..كنت سأموت كمداً إن لم أفهم ..
وحانت مني نظرة إلى السائق لأرى رد فعله لما يسمعه من سباب الناس له ...فرأيت وجهاَ عابساً ينظر إلى الطريق وكأنه لا يسمع شيئاً مما يدور خلفه ..وكل ما يعنيه هو أن يدفع الناس الخمسة وسبعون قرشاً اللعينه ..
نظرت من نافذتي لعلي أستنشق بعض الهواء البارد ..وجدت أننا لم نتحرك كثيراً ..فالشارع مكدس بالسيارات التي تتحرك ببطىء شديد ..
وقعت عيني على إحدى الفاترينات ...ما هذا ..سعر البلوزة ..مئة وخمسون جنيهاً ..وسعر الجيبة مئة وعشرون جنيهاً...!!!
حضر إلى ذهني ذلك الموظف المسكين الذي يعول خمس بنات كلهن في مراحل مختلفة من التعليم ..إذا أراد أن يشتري لكل منهن ما تحفظ به ما وجهها إذا خرجت من البيت ..فكم سيدفع ؟!!!..له الله .
تنبهت على صوت إمرأة مسنة يبدو عليها الإجهاد من طول الإنتظار وهي تتمتم ببعض الكلمات ...مددت يدي إليها لتركب وأخذت ما معها من حقائب ..ركبت وجلست بجانبي وهي تلهث ..يبدو أنها عانت مما عانيت منه ..من رفض السائقين الوقوف لها ..ويبدو أيضأً أنها لم تعرف بزيادة الأجرة ..حيث أخرجت الخمسون قرشاً ومدت يدها بها إلى السائق الذي زفر أنفاسه قائلاً : الاجرة خمسة وسبعون قرشاً يا حاجَه ..
ولكن الحاجَه لم يعجبها ذلك وظلت تناقشه وتسأله عما يريدون أن يفعلوا بالناس ..ولم كلما غلى سعر شيء في البلد يزيدون هم أجرتهم ..
أما السائق فكان ينظر إلى اللاشيء ..وكأنه يعلم مسبقاً أنها سوف تخرج ما في جعبتها ثم تدفع له الأجرة الجديدة ..
من الواضح أن هذا هو حال الناس ..
نظرت من نافذتي مرة اخرى لعلنا نكون قد قطعنا مسافة أكبر ولكننا ما زلنا في ذلك الزحام ..وأمامنا تلك السيارات التي لا تريد أن تتحرك وكانها نائمة في سبات عميق ..
على الجانب الآخر من الشارع ماذا أرى ....!!! طفل صغير لم يتجاوز السادسة من عمره يقف لينتظر عربة المدرسة هو وأخته وفي يده موبايل يتكلم فيه ويضحك ..عجباً مع من يتكلم هذا الصغير ومع من يضحك ..وهل هناك ما يستدعي أن يمتلك هذا الصغير موبايل ..
تذكرت إبني زياد ..فهو يريد أن نشتري له موبايل بكاميرا ولكننا رفضنا ذلك رفضاً قاطعاً فليس في سن يسمح بذلك وليس في حاجة ملحة له ....آه لو كان معي لاعطاني درساً في تنفيذ رغبات الأبناء ..الحمد لله أنه لم يكن معي .
وفي تلك اللحظة صعد للميكروباص طفل في الثالثة عشر من عمره ..يبدو على وجهه ملامح الذكاء ..والإقبال على الحياة ..يحمل حقيبته ليذهب إلى مدرسته ..فتح الباب وجلس بجانب السائق الذي لم يفق من غيبوبته بعد ...وعندما علم أن السائق لن يتجه إلى الجيزة حيث مدرسته وأنه سيوصله فقط إلى محطة الطالبية ..تساءل ببراءة الاطفال : ولم تفعلون ذلك ..لماذا تقسمون الطريق..؟؟
إمرأة مسنة تمشي متكأة على عصاها..تأتي تتهادى في مشيتها حتى تصل إلى المسجد فيسرع كل بنات المسجد للإمساك بها وتوصيلها إلى أقرب مكان تستطيع أن تصلي فيه ..تبدأ في صلاتها ولسان حالها يدعو لكل من في المسجد ..تسمع دعواتها فيرتاح لها قلبك ..تنظر إليها وهي تصلي وتجاهد نفسها لتنزل من على كرسيها لتسجد على الأرض فتتساءل أي قوة تدفعها لذلك
على مدار سنوات بعدي عن مصر كنت أفتدها بالفعل في شهر رمضان... كنت أفتقد جو العائلة ..والزحام في الشوارع وقت الإفطار ..والفوانيس التي يتلألأ أنوارها في الشوارع ..والزينات التي تنبيء بمقدم حدث سعيد ..كنت أفتقد تفاصيل رمضان في القاهرة ...
وهذا العام إضطرتنا الظروف أن أقضي رمضان هنا في مصر بمفردي وبدون زوجي ..وحتى بدون أولادي لأنهم كل يوم في بيت من بيوت الأهل الذين يستضيفونهم للعب مع أولادهم ...
كنت في البداية سعيدة لأني سأعوض ما إفتقدته في سنوات غربتي الماضية مع اني كنت حزينه لتركي زوجي بفرده ولكنها ظروف الحياة ...ومر علي أيام في رمضان ...ولكني إكتشفت أن الإحساس بطعم الأيام وبالحياة يكمن فيمن نعاشرهم ..ونعتاد عليهم ..وعلى وجودهم في حياتنا ...إكتشفت أن إحساسي برمضان أو بأي مناسبة لا يكمن في المكان ولكن فيمن نعيش معهم هذه اللحظات ..
فلقد تعودت طوال سنوات غربتي على طقوس معينة في رمضان ..مع زوجي وأولادي ..تعودت على إحساس خاص في رمضان أعيشه في هذه الأيام ..وعندما قضيت رمضان في مصر كما تمنيت من قبل ...لم أجد ضالتي ..لم أجد رمضان ..لم أجد الإحساس الدافيء في البيت الذي يجمعنا أنا وزوجي وأولادي ساعة الإفطار ..وفنجان القهوة الذي أسرع بتحضيره لرفيق دربي بعد الإفطار مباشرة وبدون تأخير ...لم أجد إحساسي بصلاة التراويح في غرفتي وعلى سجادتي ..حرمت الإحساس الجميل وزوجي يأخذني لقضاء عمرة رمضان في الحرم ..أبكي بشدة كلما تذكرت تلك اللحظات ..لم أجد أولادي لأجلس معهم بعد صلاة التراويح فهم في عالم آخر مع الأهل والأقارب ..أفتقدهم بشدة ..أفتقد ضجيجهم ..وحتى تعبي منهم..
أفتقد رجوع زوجي من عمله متعبا مع ساعات الفجر الأولى وجلوسنا للسحور معاً ..أفتقد كلمة تسلم إيديك من حبيب عمري وأيامي ..
كل يوم تنزل دموعي ساعة الإفطار ...أتمنى الرجوع إلى غربتي وكأنها أصبحت جزءاً مني لأني أفتقد زوجي ..أفتقد أولادي ..أفتقد الحياة....!!!!
تحديث
على مدونة فرنسا والرايق إتنشرت لي تدوينه ضاحكه ياريت تشرفوني هناك يمكن أقدر أرسم البسمه على وجوهكم...التدوينه بعنوان شبكة الهنا
http://faransaraayek.blogspot.com/